مرئيات

الحدود الصحية في العلاقات

بقلم / د. ولاء قاسم

الحدود الصحية في العلاقات ملف كبير وشائك فنحن نفتقر للوعي بها في مجتمعنا الزاخر بقيمه النبيلة لكنه يعاني تشويشاً في مفاهيم الخصوصية والحرية والمسؤولية والتي تشكل الأطر والمبادئ العامة لتنظيم العلاقات بين الناس .

فنحن كمجتمع لا نفرق بين العفوية التي لاتسمح بالتعدي على حقوق الآخر وبين العشوائية وهي فوضى المعاملات التي تبرر استنزاف الآخر وتكليفه بمسؤوليات ومهام لاتخصه ومواجهة رفضه أو عجزه عن تحملها بانفعالات غير محسوبة، مما يخلق تعقيد في الروابط ويؤدي إلى علاقات يسودها التوتر.

لماذ يستصعب الناس وضع الحدود؟؟

أولاً:وجود برمجات في الوعي الجمعي تربط بين الحدود الشخصية والقبول ، الشخص المنفتح في علاقاته هو المقبول اجتماعياً ، فعندما تضع حدودا لعلاقاتك ستخالف النمط السائد في المجتمع ، والقبول هو أكبر المحركات السيكولوجية للإنسان .

ثانيا: الأشخاص المستفيدين من غياب الحدود يدقون على وتر التأنيب ( ، لماذا لست كفلان؟،تغيرت كثيراً ، لم تعد الشخص السابق الذي أعرفه ؟) عبارات على هذه الشاكلة تعزز الشعور بالذنب مما يجعلنا نخاف وننفر من وضع الحدود.

ثالثاً: تخاف من أن وضع الحدود سيؤثر على أصل العلاقة لأن الناس بعد أن كسرت الحواجز تستصعب التراجع بخطوات إلى الوراء فتضطر للرضوخ رغم استياءك نفسيا خوفا من انتهاء العلاقات والمعاناة من الوحدة أو الانفصال.

رابعاً: الحساسية المفرطة تجاه الآخرين والخوف من ايذاء مشاعرهم يدفع الناس للاستمرار في علاقات محبطة وسلبية.

وبرغم كل العقبات يحب علينا أن نضع حدوداً في علاقاتنا
حتى لو خالفنا بها العادات التي تشرب بها الوعي الجمعي فالنمتلك الوعي الكافي والشجاعة لنعرض عاداتنا على الدين ونتناغم مع الطرح الإسلامي الذي ينظر الى الحدود على أنها ضمان للسلامة الشخصية وليس تقييداً الحرية في العلاقات .
إقامة حدود صحية مع الآخرين دلالة على احترامك لذاتك وتحملك لمسؤولية حياتك ،وقتك ، أهدافك ،تطورك ومشاعرك ،
والحدود هي الضامن لاستمرار العلاقة بشكل صحي ومتوازن لاتشعر فيه بالضغط أو بالاستنزاف فعلاقتنا مرآة للنفس كلما كانت علاقتك بذاتك متوازنة كانت على علاقتك بالآخر بنفس المستوى.

إضافة إلى أن الحدود في العلاقة تخلصك من تكرار النمط المزعج (إذا كنت ترافق صديقك أسبوعياً في مشوار لا يخصك وتعتبره عبئاً عليك ويستنزف طاقتك ،تكرار النمط يدل على علاقة غير منطقية وفيها استنزاف لأحد الأطراف)

العلاقة الأصيلة والقوية تبقى وتزداد متانة بصياغة حدود واضحة لأنها تبحث عن رضا كل الأطراف ، أما العلاقات ذات الحدود المجروحة أو التي يرفض أحد الأطراف وجود حدود من الأساس فهي علاقة متعبة ومتوترة .

مراحل وضع الحدود في العلاقة :

أولاً: فرش الحدود ( وضح احتياجاتك ، ماذا تريد ؟ ماذا تحب ؟ ماذا تقبل؟ وماذا تتوقع من العلاقة ،وبالمقابل وضح ما لاتريده ومالا تتقبله، حدود المسؤولية التي يتحملها كل منا في العلاقة) ، ثم أبدأ بلطف بعمل نقلات تدريجية للعلاقة لتضعها في المسار الذي تريد.

ثانياً : حماية حدودك ، عدم السماح بتجاوزها ، وتذكير الآخرين بالحدود المتفق عليها والتركيز عليها بحزم أكبر في كل مرة يتم تجاوزها ووضح نتائج اختراقها.

ثالثاً: احترام حدود الآخرين حتى لو لم تصاغ في شكل كلمات أو لم يطالب بها .

كعادتي أنصحك أخيراً بالاتزان في حدودك لأن الافراط والصرامة الزائدة سيحولك الى شخص متحكم يخاف الناس مع التعامل معك ،، أو تظهر كشخص منعزل وغير متجاوب وبذلك تخسر النضج العقلي والثراء الفكري الذي يقوم جزء منه على التفاعل الاجتماعي وتبادل الخبرات الحياتية.
العلاقة الانسانية جزء اصيل من الحياة لكن لتحقق العائد المرجو منها احرص على أن تكون في شكل انفصال متصل ، يضمن التوافق المشود واحترام الحدود، ويقوم على الاتزان بين العقلانية والمشاعر.

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

3 × 4 =

زر الذهاب إلى الأعلى