أخبار عربية ودولية

اليابان ومجتمع ما بعد الرفاهية

بقلم / الدكتور محمد الأمين البشرى*

قد يتساءل البعض، ما المقصود بمجتمع ما بعد الرفاهية؟ مجتمع ما بعد الرفاهية تسبقه مرحلة مجتمع الرفاهية والتي تسبقها مرحلة المجتمع الساكن المستقر. نحن في كثير من الدول النامية والأفريقية منها على وجه الخصوص لم نصل بعد إلى مرحلة المجتمع الساكن المستقر. نحن ما زلنا في مجتمع المعاناة، مجتمع الجهل والفقر والمرض والحروب والكوارث. ونحلم بمجتمع السكون والاستقرار والأمن. مجتمع السكون والأمن هو الطريق إلى مجتمع الرفاهية حيث يجد الإنسان العدل والمساواة، ويجد فيه سبل كسب العيش الكريم، خدمات الصحة، التعليم، السكن، حرية الفكر والمعتقد، حق التملك والتنقل وكافة حقوق الإنسان المعتمدة في المواثيق الدولية والدساتير الوطنية وذلك بجهده وعرق جبينه والقيام بواجباته تجاه المجتمع.

أما مجتمع ما بعد الرفاهية فهو أن تسعى إليك الخدمات الضرورية من القطاع العام وتتودد إليك خدمات القطاع الخاص.
ما معنى أن تتقدم إليك خدمات الدولة؟ الأصل هو أن يتقدم الفرد إلى الجهات المختصة بطلب للعمل أو للعلاج أو التعليم. ولكن أن تصل إليك خدمات الصحة وتعرض عليك الفحوصات الطبية المجانية وأنت في دارك، أن يقوم المرشدون الاجتماعيون والمرشدون الغذائيون بزيارة الأسر في دورهم لمتابعة الرعاية الصحية للصغار والعجزة والمحتاجين، أن يطرق بابك رجل الأمن لمعرفة احتياجاتك، كل ذلك يتوافر في مجتمع ما بعد الرفاهية.

محافظات اليابان ال (47) أشبه بولايات مستقلة. لكل محافظة حاكم ومجلس محافظة وقوة للشرطة المحلية ولجنة أمن المحافظة. ولكل محافظة مواردها الخاصة من الضرائب المحلية والاستثمارات المحلية، علاوة على الدعم من الحكومة المركزية وعائدات شراكتها في المشروعات القومية. ويتم انتخاب مجلس المحافظة وحاكمها تماماً كما يتم انتخابات رئيس الوزراء ومجلسي النواب والشيوخ، لذا تجد تنافساً بين الحكام وأعضاء المجالس المحلية أولاً لكسب ثقة مواطني المحافظة وضمان بقائهم على رأس الجهاز التنفيذي والتشريعي للمحافظة، وذلك عن طريق تقديم أفضل الخدمات وتطوير المحافظة ومرافقها الحيوية. وثانياً تتنافس سلطات المحافظات مع بعضها البعض، إذ تسعى كل محافظة على أن تكون المحافظة الأولى في الدولة.

الاهتمام بالإنسان في اليابان بلغ منتهاه في جميع المرافق، الطرق العامة يتم تخطيطها وتزويدها بما يساعد وييسر استعمالها بواسطة الجميع. ممرات للصغار وأخرى لكبار السن، مصاعد ومدرجات للعجزة، إرشادات مقروءة ومنظورة وناطقة للمعاقين. وتنبيه الناس وإرشادهم في كل مكان بأسلوب راقي. والراكب في القطارات والمركبات العامة يتم تعريفه بالمناطق التي يمر بها، تاريخها، منشآتها الهامة، مواقعها السياحية وما يهم العامة فيها.
في كل مكان تجد من هو مستعد وجاهز بعدته وعتاده ليقدم لك المساعدة، بل وينادي على العامة ناصحاً بأسباب السلامة ومعرفاً بتوقعات الطقس ومتغيراته ومستلزماته ومرشداً للبدائل المتاحة.

المستشفيات المتنقلة تطوف على أماكن التجمعات والأسواق العامة وتنادي عامة الناس للحصول على الكشف الطبي المجاني، لتبعث لك في اليوم التالي نتائج الفحوصات في عنوانك مع الإرشادات اللازمة بالعلاج والغذاء وتعريف بأقرب المستشفيات المناسبة لك أو إرسال من يُعنى بعلاجك في الحالات العاجلة. وعلاوة على مثل هذه الخدمات الصحية المجانية هنالك برنامج سنوي للفحص الطبي الشامل المجاني على النحو التالي:
• بداية الفصول الدراسية في الجامعات والمعاهد والمدارس.
• يوم الفحص الطبي للأشخاص الذين بلغوا سن العشرين.
• يوم الفحص الطبي للأشخاص الذين بلغوا سن الأربعين.
• يوم الفحص الطبي للأشخاص الذين بلغوا سن الستين.

وفوق ذلك كله هنالك مراكز التوعية الصحية العامة على مستوى المحافظات والمناطق والمحليات، تنظم برامج يومية متخصصة لمختلف قطاعات المجتمع وبقصد الإرشاد والتثقيف الصحي والغذائي.

اليابانيون لا تشغلهم اليوم الهموم التقليدية التي تزعجنا في الدول النامية كالتعليم، الصحة، الغذاء، السكن. ورغم وجود أكثر من (120) مليون نسمة ورغم إنفراد كل شخص بالغ أو بالغة بسكنه الخاص لا يوجد من يعاني في الحصول على شقة أو فيلا حسب الطلب وفي الموقع الذي يفضله سواءً كان ذلك عن طريق الإيجار أو الشراء، مفروشاً كان أو غير مفروش. والبحث عن السكن لا يكلف الشخص جهداً، إذ يجوز لك الدخول على مواقع شركات العقارات المتخصصة وتجد فيها بياناًت مفصلة عن الشقق والفلل وأسعارها ومواصفاتها ومواقعها والمواقع المحيطة بها، بل ويمكنك الدخول في الشقق ومعاينتها وكذلك التجول حولها عبر مواقع ” الجوجل” اليابانية يمكنك التعاقد على اختيارك من أي مكان في العالم .
الذي يعيش في اليابان مواطناً كان أم أجنبياً، مقيماً كان أم زائر يَحظى بكل شيء، ومع الوفرة في الخدمات، الغذاء، وسائل الترفيه، وكافة المتطلبات يحرص اليابانيون تقديم الضيف والأجنبي دائماً، بل وتجدهم فيما بينهم يقدمون كبار السن والنساء والأطفال والعجزة ، وكبير السن Senior Citizen هو دائماً في المقدمة وموضع الاحترام. احترام الكبير بعيداً عن وضعه الاجتماعي أو السياسي يفرض على الجنرالات في الجيش أو الشرطة، على سبيل المثال يسبقون سائقي سياراتهم في النزول وتحية السائقين متى كانوا أكبر سناً منهم.

مجتمع ما بعد الرفاهية، أن يحصل الفرد أكثر من إحتياجاته في كل مكان وفي كل زمان وهو يعيش في مجتمعه في بيئة معافاة.

*الأستاذ الدكتور محمد الأمين البشرى محجوب
باحث في الشؤون اليابانية

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

سبعة عشر − خمسة =

زر الذهاب إلى الأعلى