مرئيات

عيد الأم يفتح الجروح ..!!!!

بقلم / د. ولاء قاسم wallaabdallagas @

تعودت بحكم تخصصي أن أتلقى العديد من الرسائل يومياً من أشخاص يطلبون المشورة، وآخرون ينشدون فهماً أعمق لأنفسهم يعينهم على فهم أحداث حياتهم ويرشدهم لطريقة التفاعل معها، لكني اليوم اكتب إليكم وسيل من الأفكار يجول بخاطري ومشاعر مختلطة تعتمل بداخلي، أكتب رداً على رسالة وردتني من فتاة يافعة فقدت أمها منذ أشهر وما زالت تعاني حالة من الإنكار وعدم التصديق وألم مبرح لا يغادرها ويأتي يوم العيد ليعمق جراحها، لذلك التمسوا لي العذر لو نزعت ثوب التخصص لأرتدي عباءة الأمومة في بعض العبارات.

في حضرة مثل هذا الحدث أجد حروفي قاصرة وبائسة فخسارة الأم لا تعادلها خسارة وما يرافقها من شعور باليتم لا يفرق فيه العمر شيئاً فقد يكون الإنسان طفلاً يتيماً وقد يكون خمسينياً أو ستينياً يتيماً، تلك الخسارة تخلف في الروح ثقباً يصعب ردمه، الحزن بطاقته المظلمة البطيئة يجعلك تتماهى مع شلال من الأفكار السوداوية تتقاذفك فيما بينها ولا تسكن الأفكار إلا عندما تغرق في ذكرى المفقود وتستعيد أفراحك الماضية معه، لكن المشكلة أن الدخول لحالة التذكر والخروج منها أشبه بانفجار الفقاعة كلما زاد الفرح المرتبط باللحظة في قلبك كلما كان الهبوط أعمق والسقوط أكثر إيلاماً،،
بداية أنا أقدر حجم خسارتك لكنها مشيئة الله وسنته في الكون واسأل الرحمن فردوساً عالياً لوالدتك وسكينة تملأ قلبك، ثم سأدعوك عزيزتي لرحلة نستكشف فيها مراحل الحزن ونفهم ما يدور بداخلنا لنحسن التعامل معه.

قد تكون المعالجة الفكرية للحزن صعبة نسبياً فكثيراً مايكون الحزن فوضوياً فهو يختلف بحجم الخسارة والفقدان وأيضاً يتعلق بمحاور نفسية تختلف من شخص لآخر حسب البنية النفسية للأشخاص وهياكلها المختلفة وحسب درجة الصلابة النفسية، لكن المختصين يسمون سبع مراحل تمثل الاستجابة العاطفية والسلوكية التي تعقب حالة الخسارة ولا يشترط أن يمر بها كل البشر لكن المؤكد أن معظمهم يختبر جزء منها.

تبدأ أولى المراحل بحالة “الصدمة” هي حالة من الارتباك الجسدي والعاطفي، طاقة مكثفة ومختلطة وشكل من أشكال التنميل يمثل دفاع طبيعي يكسب عقلك بعض الوقت لاستيعاب الخسارة.

تليها مرحلة “الإنكار” وهي شكل من أشكال المقاومة فأنت لاتزال غير مستعد للحزن.

تدخل بعدها إلى حالة “الغضب” أكثر المراحل صخباً تشعر بطاقة عالية تحارب بها الهجوم الذي حصل على عالمك، الشعور بالقوة هو السمة التي تميز تلك المرحلة وتعتقد أنك بتلك القوة سوف تستطيع إعادة الوضع إلى ما كان عليه.

بعد أن تدرك استحالة إعادة الأمور إلى سابق عهدها
تدخل إلى مرحلة “المساومة” نوع من المقاومة لكنه أكثر ليونة فأنت لا زلت تتمسك بإمكانية إعادة الوضع إلى ما قبل الحدث المؤلم ولو كان عن طريق مقايضات غير منطقية.

تليها مرحلة إلقاء اللوم، تسمى مرحلة “الذنب”، وهي أول مرحلة في قبول الخسارة فالشعور بالذنب تذوب معه آخر قطعة مقاومة ويتركز اهتمامك على المسئولية الذاتية للتعامل مع الحدث غير المرغوب.

تبدأ بعدها مرحلة “الاكتئاب” وهي دوامة من الأفكار والمشاعر التي لم تتم معالجتها في المراحل السابقة تستبدل فيها المقاومة بحالة من العجز وتكون الكلمة العليا لشعور الإحباط والاستسلام في هذه الحالة حينما تدرك أنه ليس من شيء يمكنك القيام به.

أخيراً مرحلة “القبول” وهي النتيجة الحتمية للحزن الناجح لكن كان لا بد أن تمر بالمقاومة واللوم والاستسلام ومن خلال الألم والإرهاق والهزيمة تندفع إلى حالة من القبول يعقبها تجديد الأمل في الحياة وعودة الاستقرار النفسي.

كل تلك المراحل هي ردود عاطفية طبيعية للخسارة قد يخفف من وطأتها وجود أشخاص داعمين لكن العمل الداخلي يعتبر أساسياً خلال رحلة الحزن فأنت أخبر الناس بجهازك الحسي.

بحكم أهمية الموضوع سأضطر لمتابعة الطرح في سلسلة المشاعر التي تضم عدداً من مقالات، المقال القادم أتناول فيه الطريقة الصحية للتشافي من ألم الخسارة وأعد القراء الأكارم أن ننتقل إلى إيقاع أكثر أملاً وإشراقاً بدلاً عن الإيقاع الحزين لهذا المقال لكن رغم كل منخفضات الحزن سيظل جزءاً من بشريتنا ومن وأنبل المشاعر الإنسانية وأكثرها عمقاً.

أخيراً، اسمحوا لي أعبر عن عميق امتناني وأجمل أمنياتي بدوام الصحة والسعادة لأمي الحبيبة خاصة ولكل أمهات العالم،،،
بك العيد والعيد أنت.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

ثمانية عشر − ستة عشر =

زر الذهاب إلى الأعلى