مال وأعمال

أهمية تنويع مصادر الإنتاج في العالم يقلل المخاطر للخروح من مأزق الارتهان للصين

جنيف ـ (الوحدة):

ترى إيزابيل دورانت نائبة الأمين العام لمنظمة الأمم المتحدة للتجارة والتنمية “أونكتاد”، أن العالم وصل إلى نقطة تحول لتبني تغيير عميق في نماذج الأعمال الحالية، مضيفة أنه من المؤكد أن فيروس كورونا كشف المخاطر المرتبطة بالاعتماد العالي على إنتاج سلاسل القيمة على دول قليلة معينة وتركز هذا الإنتاج في يد دول أقل، معتبرة أن التغييرات المقبلة قد تمهد الطريق لإعادة التفكير في نماذج أكثر استدامة وابتكارها، وهي بالتأكيد مهمة أيضا لصحة التجارة الدولية.

وتضيف إيزابيل أن ما نعرفه هو أن نماذج أعمالنا الحالية أصبحت متكاملة للغاية وتعتمد على بلد واحد، الصين، وعلى مدى العقدين الماضيين، أصبحت الصين أكبر مصدر، حيث تمثل رقما مذهلا يعادل 13 في المائة من إجمالي الصادرات العالمية. وبحسب إيزابيل، فإن هذه المسألة تتضح بشكل أكبر بالنسبة للتجارة في تصنيع المنتجات الوسيطة – المدخلات والمكونات المستخدمة في سلاسل القيمة العالمية، ففي حين لم تكن الصين تستأثر في 2002، إلا بنسبة 4 في المائة من هذه التجارة، تبلغ حصتها اليوم ما يقرب من 20 في المائة.

وتشير إيزابيل إلى أن تأثير هذا التركيز الهائل للسلع الوسيطة محسوس في جميع أنحاء العالم، فالإنتاج ينكمش من بلد إلى آخر، في نوع من تأثير الدومينو. وصناعات السيارات في أوروبا تفقد المدخلات، وكذلك الشركات المصنعة للآلات في كوريا الجنوبية، على سبيل المثال.

لكن، هل هذا الاعتماد والتركيز القويان مصدر قلق دائم؟ على مدى العقود الماضية، أصبحت شبكات الإنتاج المتكاملة وسلاسل القيمة العالمية الطويلة، التي لها نظم شراء “في الوقت المناسب” رهينة الصين، بل هي قلبها النموذجي المهيمن والمحرك للتجارة الدولية.

كما تطور “مصنع الصين” بفضل السياسة المركزية والمدعومة لحكومتها، لكن هذا هو بالضبط ما تعترض عليه الولايات المتحدة، في نهجها “أمريكا أولا”، ما أدى إلى زيادات في التعريفات الجمركية وأدى إلى توترات تجارية على مدى العامين الماضيين. وتقدر منظمة الأمم المتحدة للتجارة والتنمية “أونكتاد” تأثير فيروس كورونا في شبكات الإنتاج العالمية في 2020 بنحو 50 مليار دولار، فقط عند الأخذ في الحسبان تباطؤ الصين في شباط (فبراير)، وهذا لا يشمل حتى الآن انخفاض الطلب الصيني، الذي سيصيب بالتأكيد مصدري السلع الأساسية من عديد من البلدان النامية. وهذا الأمر من شأنه أن يضرب بشدة حوافز الاستثمار، ففي الواقع، من المرجح أن ينخفض الاستثمار الأجنبي المباشر بين 5 في المائة و15 في المائة في 2020، وهذا لا يتحدى المنظورات القصيرة الأجل فحسب، بل أيضا النمو الطويل الأجل.

ولا يزال انتشار فيروس كورونا يجري على قدم وساق، فقبل بضعة أسابيع فقط، لم يكن من غير المتصور إغلاق مدن أو مناطق بأكملها، و الشركات، و المدارس، وإلغاء اجتماعات دولية، وتصبح بعض المنتجات الأساسية المضادة للالتهابات مثل، الإيبوبروفين نادرة، سرعان ما تحول هذا إلى واقع.

وتنوه دورانت، إلى أن حجم التأثير هائل ومتزايد، ويشير إلى “انكماش الناتج المحلي الإجمالي العالمي حتى الوقت الحاضر، نحن لا نعرف حجم التأثير المضاعف لفيروس كورونا أو متى ينتهي، وقد تتأثر الألعاب الأوليمبية في تموز (يوليو) وآب (أغسطس)”.

وتقول إيزابيل، إن التوسع الهائل في الاقتصاد الصيني قد جلب فرصا هائلة من حيث العمالة والإيرادات والتجارة، وبالتالي انتشال الملايين من براثن الفقر، ليس فقط في الصين، ولكن أيضا في البلدان، التي استفادت من ارتفاع الطلب على الصناعة الصينية. ونوهت إلى أن ما نختبره الآن هو المخاطر والتكلفة المرتبطة بالاعتماد الكبير، وكما هو الحال مع أي خطر مرتبط بالتركيز، فإن التنويع هو العلاج، ومن خلال تنويع أسواق المصادر والوجهات، يمكن خفض المخاطر.

وبحسب إيزابيل، فقد يؤدي ذلك إلى ارتفاع التكاليف بسبب صغر وفورات الحجم، لكن ينبغي الموازنة بين التكلفة الإضافية ومزايا المخاطر المنخفضة المرتبطة بموردين أكثر تنوعا، ولهذا ينبغي ألا نخدع أنفسنا بأن هذه حالة معزولة. قبل عشرة أعوام فقط، شهد العالم تأثير الدومينو للأزمة المالية، وإذا أضفنا إلى ذلك آثار تغير المناخ على التجارة الدولية وآثار الثورة الرقمية، مثل قدرة الروبوتات المتزايدة باستمرار على أن تحل محل البشر، فلا بد أن نعترف بأننا بحاجة إلى وضع نموذج الأعمال الحالي موضع تساؤل.

وبالتالي، وفقا لـ “إيزابيل”، فإن الحفاظ على مبدأ “لنواصل العمل كالمعتاد، طالما كان ناجحا” لم يعد خيارا، وما نحتاج إليه هو نموذج أعمال مفتوح أكثر تنوعا من حيث الإنتاج ولديه سلاسل قيمة أقصر، وبطبيعة الحال، فإن هذا يقدم حجة قوية للتكامل الإقليمي. وستتيح هذه النماذج أيضا رصدا أفضل للامتثال للمعايير الاجتماعية والصحية والبيئية، التي يتزايد تقدير المستهلكين لها، ويكون المستهلكون أكثر وعيا بكيفية إنتاج السلع ومن يستفيد منها في سلاسل القيمة العالمية.

وبسبب بعض الفوائد الصغيرة، التي تعود على بعض المنتجين في البلدان النامية، مثل مزارعي البن أو الكاكاو من أصحاب الحيازات الصغيرة، فإن بعض المستهلكين على استعداد لدفع علاوة على السلع التي تعنى بظروف عمل أفضل وتقاسم أفضل للمنافع.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى