مرئيات

وداعاً .. عام 1441هـ

أيها الراحل إلى غير رجعة.. أيها السجل الحافل بالحادثات على مدى ثلاثمائة وخمسين يوماً لقد ولت أيامك وتلاشى ظلها واستحالت ذكريات للعذاب.. تركت القلوب دامية مثقلة بالجراحات.. دفنا في أيامك كل الأماني والأشواق.. ومضينا  نتجرع الغصص ونلوذ بالآهات في رضاء واحتساب بقدر الله..

أصارحك أيها المفارق بأن الحزن يملأ قلوبنا وخفافيش الخوف تعشعش في تلافيف ذاكرتنا ولا نجد للفرحة سبيلاً إلى حياتنا إلا لُمعاً خافته تُومض هنا وهناك ثم تختفي في زحمة الحياة ومشاغلها والبحث عن لقمةِ العيش وضريبة البقاء..

لقد كانت أيام هذا العام أيام خوف وألم وترقب من طوارق الأخطار، بل ذهبت أخبار الوباء وجائحة الآلام بساعات الأنس والود ولقاء الأحبة، فالكل يترقب بخوف ووجل مسار كورونا وكيفية الهروب من تبعاتها ووسائل التواصل تحمل كل يوم وفاة قريب أو إصابة حبيب بل كل إنسان  يترقب فزعاً أن تأتيه العدوى من حيث لايحتسب .

إنه عامٌ غير مسبوق وأيامٌ ليس لها مثيل في التاريخ القريب ستظل ذكراها وذكرى من عاشها مثاراً للشفقة والترحم.. يالهول ماسمعنا ويالهول ماعشناه ورأيناه فماذا نرد على رئيس وزراء بريطانيا عندما قال بشيء من اليأس ودِّعوا أحبابكم.. لقد رأينا الخوف في عيون الناس رأيناهم  يهربون من محبيهم حتى من ذويهم  وتقطعت أواصر العائلة الواحدة فلا لقاء إلا بالدروع ولاحديث إلا من وراء الحجب ولاحرمة لمصاب أو لميت وكأن الناس تعاين يوم الحساب وأرض المحشر.. كل يقول نفسي حتى حفيدتي الصغيرة ابنة الثلاث سنوات هربت من قبلتي وهي تقول كورونا..؟

أي جائحةٍ هي التي حملتها لنا أيها الراحل، هل قدمت بها من عالم الأوبئة والحيوانات النافقة أم من عالم المختبرات ومراكز التصنيع والبحوث، هل تحمل آية عذاب من الله؟!..  أم أنها أياد آثمة ومؤامرة جاءت لتزيد من ربح الكبار وترحل بآخرين مع الصغار إلى عالم الفاقة والإفلاس، وابتاع أصحاب الشركات العملاقة والبطون الكبيرة أسهماً في تجارتها فباعوا واشتروا وأثروا..

لقد راعني استجواب الكونجرس ألأمريكي في جلسة تاريخية لأربعة  يرأسون شركات مجموع قيمتها السوقية 4,83 ترليون دولار يسألونهم عن ثروتهم التي تضخمت وقت الكورونا، وهم مارك زوكربيرج رئيس مجلس إدارة فيسبوك، وجيف بيزوس رئيس مجلس إدارة أمازون، وتوم كوك رئيس مجلس إدارة أبل، وسندار بيتشاي رئيس مجلس إدارة جوجل..؟

أيها المسافر

سمعت في أيامك صلوا في بيوتكم، ورأيت المساجد مغلقة أبوابها، بل رأيت المشاعر المقدسة في الحرمين تخلو من عمارها… ورأيت من يدفعون الموتى بالمكائن والحديد للتخلص منهم، ورأيت الأحبة لايجرؤون على توديع أحبتهم وفلذات أكبادهم.. ورأيت ورأيت ويالهول مارأيت..

لقد كان سجلك مثقلاً بالقيود والتبعات وفاتورة ضيافتك مرهقة عز على الناس تحملها وتطوافك المستمر وهجومك على حين غرة يقتلع حتى جذور الصبرالواهنة من حياتنا لأننا بتنا نجهلك ونجهل متى تقدم ومتى ترحل وليس بأيدينا من سلاح نواجهك به أو بوصلة تساعدنا للهروب من أذرعك الأخطبوطية.

أيها الراحل

يعز علينا فراقك لكننا لانريد اقتسام حصادك وميراثك فكل أسماء بضاعتك مستمدة من قواميس الألم والمحن ولو أردت أن تترك حسنة نذكرك بها فارحل بما جئت به ودعنا نعود إلى ماضينا وأخبر خليفتك القادم بأننا تجرعنا من الغصص ما يكفي وأننا أحوج ما نكون إلى التقاط أنفاسنا والعودة إلى ما قبل الكورونا، فهل يكون ذلك.. وما هو على الله ببعيد..

د. موسى علي حمد

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

خمسة × ثلاثة =

زر الذهاب إلى الأعلى