مخاوف الركود الناجم عن الرسوم الجمركية تُشعل موجة بيع واسعة في أسواق السلع
بقلم : أولي هانسن – رئيس استراتيجية السلع في ساكسو بنك
فرض الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أكثر الرسوم الجمركية صرامة منذ قرن على جميع الشركاء التجاريين الرئيسيين للولايات المتحدة، مما أثار تهديدات بردود فعل انتقامية وموجة بيع واسعة في الأسواق العالمية. ويخشى المستثمرون من أن تؤدي حرب تجارية بهذا الحجم إلى تباطؤ اقتصادي عالمي، ولا سيما في الولايات المتحدة، حيث ارتفعت توقعات التضخم وانخفضت ثقة المستهلكين والشركات بشكل حاد خلال الأشهر الماضية.
هناك إدراك عام لأسباب رغبة ترامب في إعادة تشكيل الاقتصاد العالمي، حيث يتمثل هدفه الأساسي في عكس اتجاه دام لعقدين، انتقلت خلاله الشركات الأمريكية إلى الخارج للاستفادة من انخفاض تكاليف العمالة، مما عزز أسعار أسهمها لكنه ساهم في فقدان الوظائف محلياً وركود اقتصادي في بعض القطاعات والمناطق داخل الولايات المتحدة. وقد كان لهذا التحول تأثيرات كبيرة على التصنيع الأمريكي والمشهد الاقتصادي الأوسع، فضلاً عن قدرته على تحقيق الاكتفاء الذاتي في المواد الأساسية.
الآثار الاقتصادية: ألم قصير الأجل وغموض طويل الأمد
لكن من الضروري الاعتراف بأن عكس هذه الاتجاهات طويلة الأمد هو عملية معقدة وتستغرق وقتاً طويلاً، ولا يمكن تحقيقها بين عشية وضحاها، فضلاً عن فترة رئاسية واحدة. وقد شكّلت الإجراءات التي أعلنها ترامب في “يوم التحرير” المزعوم بمثابة إعلان حرب اقتصادية من المرجح أن تسبب فوضى في سلاسل التوريد العالمية، مما يرفع مخاطر التداعيات الاقتصادية ويضعف الطلب على السلع الأساسية، ولا سيما في قطاعي الطاقة والمعادن الصناعية. حيث جاءت ردود فعل الأسواق المالية حادة على إعلان الرسوم، حيث شهد الدولار الأمريكي وأسواق الأسهم وعوائد سندات الخزانة الأمريكية انخفاضات حادة.
الطاقة والمعادن الصناعية الأكثر تضرراً
شهدت السلع تراجعات واسعة، حيث انخفض مؤشر بلومبرغ للسلع بنسبة 1.2% منذ يوم الاثنين، مع تسجيل أكبر الخسائر في قطاعي الطاقة والمعادن الصناعية المعتمدين على النمو والطلب. لكن حتى الآن، لم تؤدِّ هذه التراجعات إلى اختراقات فنية رئيسية، مما قد يحد من ضغوط البيع من قبل المتداولين الذين يعتمدون على الزخم. علاوة على ذلك، فإن انخفاض الدولار الحاد، إلى جانب ارتفاع توقعات التضخم، يقللان من مخاطر حدوث تصحيح كبير في هذه المرحلة.
بقيت رسوم المعادن إلى حد كبير دون تغيير، حيث تظل الرسوم الجمركية على الصلب والألمنيوم عند 25%، ولم تُفرض رسوم على النحاس بعد، بانتظار استكمال تحقيقات القسم 232. ومع ذلك، تراجعت الأسعار بسبب مخاطر التباطؤ الاقتصادي، لا سيما في الصين، التي تعد أكبر مصدر ومستهلك للمواد الخام في العالم، والتي تواجه رسوم لا تقل عن 54%، مع تهديد بزيادة 25% إضافية إذا استمرت في شراء النفط الفنزويلي.
في نيويورك، تراجعت عقود النحاس الآجلة إلى 4.825 دولار قبل أن تستقر عند 4.935 دولار، فيما ظل الفارق السعري بين أسعار عقود كومكس وأسعار بورصة لندن للمعادن مرتفعاً عند 13%، مما يشير إلى أن المتداولين ما زالوا يتوقعون فرض رسوم جديدة. لكن حالة عدم اليقين حول مستوى هذه الرسوم ستواصل تغذية التقلبات في فرق الأسعار بين البورصتين.
الذهب كملاذ آمن رغم مخاطر خفض المديونية
تراجعت أسعار الذهب بشكل طفيف خلال اليوم، بعدما بلغت مستوى قياسياً جديداً عند 3,167 دولاراً للأونصة خلال الليل، مدعومة بالتوترات الجيوسياسية والاقتصادية، فضلاً عن ضعف الدولار وارتفاع توقعات التضخم، مما دفع العوائد الحقيقية للسندات الأمريكية نحو الانخفاض. وعلى الرغم من أن هذه العوامل ستظل داعمة لأسعار الذهب، فإن الاندفاع الحالي نحو خفض المديونية وسط تقلبات الأسواق قد ينعكس على الذهب أيضاً، لا سيما بعد موجة الصعود القياسية الأخيرة. وسيعتمد عمق التصحيح المحتمل على التوازن بين المستثمرين على المدى القصير، الذين يركزون على التحليل الفني، والمستثمرين على المدى الطويل، مثل المؤسسات المالية الكبرى والأفراد ذوي الملاءة المالية العالية والبنوك المركزية. ومع الارتفاع الكبير الذي سجله الذهب في الأشهر الثلاثة الماضية، فإن تصحيحاً إلى مستوى 3,000 دولار—أو حتى 2,960 دولاراً—لن يكون مدعاة للقلق.
تراجع الفضة مع اختفاء علاوة الرسوم الجمركية في كومكس
تعرض كل من الفضة والبلاتين، وهما معدنان شبه صناعيين، لخسائر حادة مرة أخرى، حيث سارع المستثمرون الذين راهنوا على ارتفاع الأسعار إلى الخروج. وجاء التراجع مدفوعاً بعمليات بيع مكثفة في سوق العقود الآجلة في نيويورك، بعدما أصدرت البيت الأبيض مذكرة تفيد بأن الذهب و”المعادن الأخرى غير المتوفرة في الولايات المتحدة” لن تخضع لرسوم جمركية متبادلة. ونظراً لأن معظم استهلاك الولايات المتحدة من الفضة والبلاتين يعتمد على الواردات، استنتج المتداولون أنهما لن يكونا خاضعين للرسوم، مما أدى إلى تراجع العلاوة السعرية في سوق العقود الآجلة في نيويورك مقارنة بأسعار السوق الفورية في لندن. ومع ارتفاع تدفقات الفضة إلى المخازن الخاضعة لمراقبة كومكس بنسبة 51% منذ بداية العام، أصبح هناك خطر حدوث تراجع جزئي في هذه التدفقات، مما قد يضيف معروضاً إلى سوق ضعيف أصلاً بسبب مخاوف الركود.
هبوط السلع الزراعية بقيادة القطن
تراجعت العقود الآجلة للقطن بنسبة 4.4% عند الافتتاح—وهو الحد الأقصى اليومي المسموح به في البورصة—عقب إعلان الرسوم الأمريكية. وغالباً ما يُنظر إلى القطن كمؤشر على النمو العالمي، حيث يرتبط الطلب عليه ارتباطاً وثيقاً بصحة الاقتصاد العالمي، نظراً لأن المستهلكين يميلون إلى تقليص إنفاقهم على الملابس خلال فترات التباطؤ الاقتصادي. ومع تسجيل خسائر في قطاعي الحبوب وفول الصويا تحسباً لرد فعل من الصين، التي تعد مستورداً رئيسياً لهذه المحاصيل، لا تزال الظروف الجوية السيئة في البرازيل تدعم أسعار بن أرابيكا، بينما ارتفعت أسعار الكاكاو وسط توقعات بمحصول متوسط الحجم أقل من المتوقع في غرب إفريقيا.